الجاحظ

109

الحيوان

693 - [ الوقت المناسب لتمرين فراخ الحمام ] وهم إذا أرادوا أن يمرّنوا الفراخ أخرجوها وهي جائعة ، حتى إذا ألقوا إليها الحبّ أسرعت النزول . ولا تخرج والرّيح عاصف ، فتخرج قبل المغرب وانتصاف النهار ، وحذّاقهم لا يخرجونها مع ذكورة الحمام ؛ فإنّ الذّكورة يعتريها النّشاط والطّيران والتّباعد ومجاوزة القبيلة . فإن طارت الفراخ معها سقطت على دور الناس . فرياضتها شديدة ، وتحتاج إلى معرفة وعناية ، وإلى صبر ومطاولة ؛ لأنّ الذي يراد منها إذا احتيج إليه بعد هذه المقدّمات كان أيضا من العجب العجيب . 694 - [ اختيار الحمام ] وحدّثني بعض من أثق به أنّ يعقوب بن داود ، قال لبعض من دخل عليه - وقد ذهب عنّي اسمه ونسيته ، بعد أن كنت عرفته - : أما ترى كي أخلف ظنّنا وأخطأ رأينا ، حتّى عمّ ذلك ولم يخصّ ؟ ! أما كان في جميع من اصطنعناه واخترناه ، وتفرّسنا فيه الخير وأردناه به - واحد تكفينا معرفته مئونة الاحتجاج عنه ، حتّى صرت لا أقرّع إلّا بهم ، ولا أعاب إلّا باختيارهم ! ! قال : فقال له رجل إنّ الحمام يختار من جهة النّسب ، ومن جهة الخلقة . ثم لا يرضى له أربابه بذلك حتى ترتّبه وتنزّله وتدرّجه ، ثم تحمل الجماعة منه بعد ذلك التّرتيب والتّدريب إلى الغاية ، فيذهب الشّطر ويرجع الشطر ، أو شبيه بذلك أو قريب من ذلك . وأنت عمدت إلى حمام لم تنظر في أنسابها ولم تتأمّل مخيلة الخير في خلقها ثمّ لم ترض حتى ضربت بها بكرّة واحدة إلى الغاية ، فليس بعجب ولا منكر ألّا يرجع إليك واحد منها ، وإنما كان العجب في الرّجوع . فأمّا في الضّلال فليس في ذلك عجب . وعلى أنّه لو رجع منها واحد أو أكثر من الواحد لكان خطؤك موفّرا عليك ، ولم ينتقصه خطأ من أخطأ ؛ لأنّه ليس من الصواب أن يجيء طائرا من الغاية على غير عرق وعلى غير تدريب .